تقديس غير المقدس في العمل الإسلامي المعاصر

تاريخ النشر: 23 يوليو 2023م

 

في مقالي السابق بعنوان "الإسلاميون ومائة عام من الغفلة السياسية"، قدّمتُ قراءة نقدية هادفة لجانب معين من جوانب العمل الإسلامي المعاصر، يتعلق بضعف الوعي السياسي وعدم امتلاك المؤهلات السياسية اللازمة لمن يريد خوض المجال السياسي. هذا المقال "أعجب البعض، وأغضب البعض الآخر"!

إليكم هذا المثال.. قلتُ عن "الثورة" الليبية: "أسقط الثوار القذافي، بمعونة طائرات حلف الناتو، ولم يستطيعوا حتى اللحظة إقامة الفردوس المنشود".

 

تكلمتُ عن ظاهرة محددة، وفي أقل من سطرين عن فشل "الثوار" في إقامة الدولة البديلة بعد إسقاط نظام القذافي. أين الخطأ الذي لا يغتفر في هذا الكلام؟!

مرت (12) سنة على "الثورة"، وتحولت ليبيا إلى عشرات الكونتونات: تحولت كل مدينة وبلدة، بل وحتى واحة في الصحراء إلى شبه دويلة، ويضرب بعضها بعضا.

 

قالوا: لقد قدم الليبيون تضحيات جسام، وسقط منهم الكثير من الشهداء. وأقول: لا ننكر ذلك، وإنما ننقد ما يستحق النقد، ألا وهو: فشل "الثورة" في تحقيق أهدافها. ثم هل نكون ملزمين بأن نلقي محاضرة طويلة، أو نخط أسطرا عديدة في ذكر المنجزات والإيجابيات، حتى أستطيع ذكر سلبية ما، وبكلمات معدودة؟!

وقالوا: لأن مؤامرات الخارج هي السبب. وأقول: من أخطر أسباب الفشل في العمل الإسلامي المعاصر في المجال السياسي: عدم الالتفات إلى الأسباب الداخلية والإشكالات البينية. وللشيخ الغزالي رحمه الله كتاب بعنوان "جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج". وإنما يتغذى أعداؤنا على ضعفنا ومناطق الخلل في صفوفنا ومجتمعاتنا.

 

هل هناك خلل تربوي أو فكري بين صفوف الدعاة يجعلهم يقدسون ما هو غير مقدس، ويتناسون أن لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

لقد عاتب رب العالمين رسوله وسيد خلقه صلى الله عليه وسلم: "عَبَسَ وَتَوَلّى"..

وفي القرآن نقد شديد لبعض الصحابة رضي الله عنهم بعد غزوة أُحُد: "قلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ"..

وعاتب الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه بشدة: "إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"..

كل هذا نصدقه ونؤمن به، ولكن إذا قيل: "أخطأ الإمام فلان في مسألة كذا، أو جانبت الجماعة الفلانية الصواب في قضية كذا".. حينذ تقوم القيامة، ويصاب البعض بالتشنج!

كيف وصلنا إلى هذا الحال؟

 

يجب أن يستدرك الدعاة مظاهر الخلل، ولا عيب أن تكون هناك أخطاء، ولكن العيب كل العيب في استمرار هذه الأخطاء، أو عدم الاستعداد النفسي لاحتمال وجود سقطات وهفوات لدى الصالحين من أفراد وجماعات.

وكم هو البون شاسع بين النقد البناء الخالي من التسقيط والتحقير، والنقد الهدام الذي يفسد ولا يصلح.

والحمد لله على كل حال.