تعاقبات الصحوة والغفوة

تاريخ النشر: 12 فبراير 2020م

 

يظهر من القراءة الدقيقة لتاريخنا الإسلامي أن الصحوة والغفوة تتعاقبان في الأمة كما يتعاقب الليل والنهار!

والسبب في هذا التعاقب هو تبدل أوضاع المسلمين من حال إلى حال، فكلما كان التزامهم بالإسلام أمتن وأقوى، كان واقعهم على الأرض أشد تمكينا.

 

ابتداء من المرحلة النبوية المباركة، ثم الراشدية، ثم الأموية، ثم العباسية في عصرها الأول، كان المسلمون في أحسن حال، مع ما خالط ذلك من دَخَن أحيانا. ثم بدأت معالم الغفوة الأولى في الظهور في العصر العباسي الثاني.

كان من مظاهر هذه الغفوة: الضعف الشديد في نظام الخلافة وانتقال مراكز القوة إلى الأمراء والسلاطين، وظهور الدول ذات النزعة الطائفية والشعوبية، كالدولة العبيدية والبويهية والقرمطية وغيرها، وانشغال المجتمعات الإسلامية باللهو والترف، وتسيّد المذاهب الفلسفية والكلامية والتصوف المغالي.

كان هذا هو الوضع السائد عندما وصلت الحملات الصليبية، واحتلت بيت المقدس عام 1099م، وأقامت أربع ممالك صليبية في مشرقنا الإسلامي، وهي: الرها وأنطاكية وطرابلس وبيت المقدس.

 

ولأن هذا الدين من سماته نفي الخَبَث وتجديد الطاقة، بدأت الأمور بالتحسن، خاصة عندما بدأ ظهور بعض القادة المخلصين والمجاهدين الصادقين من أمثال مودود بن ألتونتكين، ثم عماد الدين زنكي، ثم ابنه نور الدين محمود، ثم صلاح الدين الأيوبي، والنتيجة الحتمية: تحرير بيت المقدس عام 1187م. وعاش المسلمون -من جديد- عصر الصحوة.

وبدأت الأمور تنتكس بعد وفاة صلاح الدين، وانشغل الأيوبيون بصراعاتهم الداخلية، وازدادت الخلافة العباسية تدهورا، والنتيجة الحتمية: سقوط الخلافة، ومذبحة بغداد المروعة على يد المغول عام 1258م.

وبسرعة، وكردة فعل إيجابية، بدأت الأمور تتحسن بظهور المماليك. لم يكن هؤلاء القادة الجدد أفضل الناس تدينا وثقافة، ولكن كانوا الأفضل همة وحماسا وفروسية، وهذه كانت متطلبات المرحلة. والنتيجة الحتمية: ملحمة عين جالوت وصد الطغيان المغولي عام 1260م.

 

ثم بدأت معالم الغفوة من جديد مع الضعف الذي أصاب دولة المماليك على الصعد السياسية والاجتماعية والثقافية وانتشار عقائد الغلو مثل وحدة الوجود، والحلول والاتحاد على يد الصوفية، وقد كان للإمام ابن تيمية جهود عظيمة في تحجيم خطر هذه العقائد.

لم تطل هذه الغفوة برحمة الله للأمة، فجاءت الصحوة من جديد على يد فرسان الإسلام وأبطال الوغى: العثمانيون. وكانت ملحمة فتح القسطنطينية عام 1453م على يد السلطان محمد الفاتح، هذا الفتح الذي عجز الأمويون والعباسيون عن تحقيقه.

واستمرت الدولة العثمانية تحمي حمى الإسلام حتى بدايات القرن الثامن عشر الميلادي، حيث بدأ الضعف يدب في أوصالها بسبب ضعف الحكم والتراجع العسكري والفساد في الأنظمة الإدارية والاقتصادية. والنتيجة الحتمية: سقوط الخلافة العثمانية عام 1924م.

 

عاشت الأمة -من جديد- فترة من الغفوة امتدت قرابة ثلاثة أرباع القرن، ولكنها كانت حافلة بالجهود الطيبة والمخلصة على يد كثير من الدعاة والعلماء والمفكرين في مختلف مجالات الحياة.

والنتيجة الحتمية: الصحوة المباركة التي شهدتها الأمة مع مطلع سبعينات القرن الميلادي العشرين.

وكان من مظاهر هذه الصحوة: عودة التدين إلى المجتمعات، خاصة في صفوف الشباب من الجنسين، وانتشار الكتاب الإسلامي، والشريط الإسلامي، والالتزام بالحجاب الإسلامي، وشهدنا سيادة الفكر الإسلامي الوسطي النقي، وتراجع الأفكار المنافسة من يسارية وعلمانية وقومية.

 

ثم حصل التراجع من جديد مع مطلع الألفية الميلادية الثالثة، حيث أعلنت كافة القوى المعادية الحرب على الإسلام، أحيانا بصورة صريحة، وأحيانا أخرى بحجة الحرب على الإرهاب!

بدأ احتلال وتدمير الدول والمجتمعات المسلمة، بالاحتلال العسكري المباشر، أو بالتدمير الداخلي عن طريق الحروب الأهلية و(الثورات الموجهة)! أو بالإفساد الأخلاقي.

وبدأ الصحوة تتراجع، والغفوة تتسع: أصبحنا نشاهد تراجع الكتاب الإسلامي، وخلع البعض للحجاب، وخاصة (الفنانات)، وانتشار مظاهر الميوعة الفكرية والثقافية والأخلاقية.. وبَرَزَ الإلحاد، واشرأبّ النفاق، وتطاوَلَ أدعياء التجديد!

 

فهل من صحوة أخرى بعد هذه الغفوة الحالية؟ ولمن ستكون الجولة الأخيرة؟

 

الجواب:
قال تعالى: "يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ".. وقال: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ".. وقال سبحانه: "وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ".
وقال سيدنا وإمامنا صلى الله عليه وسلم: "لتقاتلن اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله ورائي يهودي تعال فاقتله" (رواه مسلم). وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها" (رواه مسلم).